محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

16

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

الطوسي والعلم والعلماء إنّ الذي كان يشغل بال المحقّق الطوسي إبّان عصر المغول هو أنّه كيف ينقذ العلماء من محنتهم ، وكيف يحفظ التراث الضخم من أيدي المغول . فلم يكن بمقدور الطوسي وغيره مواجهة الطغاة بقوّة السلاح ، بل لا بدّ من وضع خطّة ذكيّة لاستيعاب الموقف وكسر شوكة المغول أو تحييدهم أو أسلمتهم . فبعد أن اطمأنّ هولاكو للمحقّق الطوسي وكبر في عينه حاول الطوسي إقناعه بإقامة مرصد فلكي في مراغة قائلا له : « إنّ القائد المنتصر يجب أن لا يقنع بالتخريب فقط » فأدرك المغولي المغزى ، وخوّله بناء مرصد عظيم على تلّ شمالي « مراغة » وتمّ هذا العمل في 12 سنة . . . وقد أظهر خطأ أربعين دقيقة في موضع الشمس في أوّل السنة على حساب الأزياج السابقة ، وجمع مكتبة عظيمة ضمّ إليها ما نهب من الكتب في بغداد . وهكذا تسنّى للمحقّق نصير الدين أن يؤسّس أكبر جامعة علمية في مراغة ، استقطب فيها العلماء والحكماء ، الذين توافدوا على مراغة من كلّ أصقاع العالم . يقول محمّد مدرّسي زنجاني في كتابه « سرگذشت وعقائد فلسفي خواجة نصير الدين طوسي » : « فضلا عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجيّا على عقله ، وأن يروّض شارب الدماء فيوجّهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية والثقافية والفنّية ، فأدّى الأمر إلى أن يوفد هولاكو فخر الدين لقمان بن عبد الله المراغي إلى البلاد العربية وغيرها ، ليحثّ العلماء الذين فرّوا بأنفسهم من الحملة المغولية فلجئوا إلى أربل والموصل والجزيرة والشام ، ويشوّقهم إلى العودة ، وأن يدعو علماء تلك البلاد - أيضا - إلى الإقامة في مراغة » « 1 » . وكان فخر الدين حسن التدبير كيّسا ، فاستطاع أن يؤدّي مهمّته على أحسن وجه . وقد استجاب للطوسي علماء البلاد العربية وغيرها ، فرحلوا إلى مراغة ، واجتمع هناك علماء من دمشق والموصل وقزوين وتفليس وغيرها .

--> ( 1 ) . انظر : « أعيان الشيعة » 9 : 417 .